تخيّل شخصًا يعيش في عالم مادي صرف، لا يؤمن بالأرواح أو بالجنة أو بأي قوى خارقة. هل يستطيع هذا الشخص أن يجد عزاءً وجوديًا حقيقيًا؟ هل يمكن للحياة في هذا السياق أن تحمل معنى عميقًا، أم أن الإيمان الديني هو وحده الذي يمنح الإنسان الطمأنينة الحقيقية؟ دراسة نشرها موقع "Nautilus" تطرح هذا السؤال بدقة، وتستعرض تجارب نفسية تكشف كيف يتفاعل الناس مع قضايا الوجود بين التفسير العلمي والتفسير الروحي.
في سلسلة من التجارب، طُلب من مشاركين أن يجيبوا عن أسئلة وجودية كالآتي: "لماذا وُجد الكون؟"، "لماذا يموت الأطفال أحيانًا؟"، "ماذا يحدث بعد الموت؟". حين طُلب منهم أن يعطوا إجابات تستند إلى المنطق والأدلة، مال معظمهم إلى تفسير الأحداث وفق النظريات العلمية أو الخبرات الإنسانية. على سبيل المثال: "الكون نشأ بسبب الانفجار العظيم"، "الموت جزء من مسيرة الحياة". لكن عندما كان السياق هو البحث عن الراحة النفسية والعزاء، تحول كثيرون إلى إجابات تطغى عليها الروحانية أو حتى التأكيدات الدينية التقليدية، مع أن بعض الأشخاص ظلوا متمسكين برؤية طبيعية تقدم لهم بعض العزاء في فكرة البقاء في ذاكرة الأحباء أو الانتماء الكوني الواسع.
غير أن التجربة كشفت أن التفسيرات الروحانية والدينية غالبًا ما تمنح الناس راحة نفسية أكبر من تلك التي توفرها النظرة الطبيعية البحتة. فقد عبّر المشاركون، حتى أولئك الذين لم يؤمنوا حرفيًا بالدين، عن شعور أكبر بالراحة حين لجأوا إلى صياغات دينية، مقارنة بمن اعتمد على الفهم العلمي فقط. وأكدت الدراسة أن تفسير الظواهر علميًا قادر بالفعل على إعطاء معنى وطمأنينة، لكنه يحتاج إلى جهد نفسي وفكري أكبر، وقد يبقى تأثيره أقل دفئًا من الصور الدينية المتوارثة.
وفي الختام، تشير نتائج هذه الأبحاث إلى أن العلم قد يوفر للإنسان أجوبةً متماسكة ومنطقية عن أسئلة الحياة، لكنه يقف أحيانًا عاجزًا عن توفير الدفء العاطفي والتعزية التي تمنحها الروايات الدينية، حتى في زمن تتراجع فيه المعتقدات التقليدية لصالح الرؤية الإنسانية والعلمية.